أسعد السحمراني
164
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
وغيره من المخلوقات ، ونبّه إلى ضرورة اللجوء إلى القوة العاقلة التي تميّز بين الإنسان وباقي المخلوقات ، وتحقق له إنسانيته . إن القوة العاقلة يجب أن تشبع بتحصيل المعرفة والثقافة لأن ذلك يساعدها على تبيّن طريقها ، فما من عمل فاضل إلّا ويصدر عن معرفة وتعقّل ، وأما الجهل فهو ظلمات تترك المرء يتخبط في سلوكه ، وكثيرا ما تصدر عن الإنسان الرذائل بسبب جهله . وإذا كان من الغايات الأساسية نشر أخلاق الخير وتعميم الفضيلة فإن المدخل إلى إحياء القيم الأخلاقية والسلوك وفقها هو المعرفة ، وهنا نلاحظ أن ابن حزم لم يخرج عن المفهوم العام بضرورة المعرفة الذي أكد عليه الإسلام ومعظم الفلسفات والنظريات الأخلاقية . فعند ابن حزم « منفعة العلم في استعمال الفضائل عظيمة ، وهو أنه يعلّم حسن الفضائل فيأتيها ولو في الندرة ، ويعلّم قبح الرذائل فيجتنبها ولو في الندرة ، ويسمع الثناء الحسن فيرغّب في مثله ، والثناء الرديء فينفّر منه ، فعلى هذه المقدمات يجب أن يكون للعلم حصة في كل فضيلة ، وللجهل حصة في كل رذيلة » « 1 » . مع أهمية العلم في نشر الفضيلة ، وخطر الجهل في نشر الرذيلة ، لم يكن ابن حزم ليعطي الدور كلّه للمعرفة بل أعطاها حصة في الفعل الفاضل ، وترك باقي الحصص للاختيار والتدريب ، ولنقل القول إلى حيّز التطبيق . كما أن بعض من عندهم قصور في معارفهم وعلومهم قد يقلّدون غيرهم أو يلتزمون ما تدرّبوا عليه ، أو يخضعون أنفسهم للقانون الأخلاقي العام ؛ وبذلك يستطيعون أن يأتوا الفضائل . ولأن الغاية الأساسية من القانون الأخلاقي أن تستقيم العلاقة بين الإنسان ومجتمعه ، وأن يكون للقيم الأخلاقية فعل في ضبط ذات الإنسان وتعويده السمو فوق الأمور التافهة لذلك نرى ابن حزم يحدّد ثوابت الفضيلة
--> ( 1 ) ابن حزم ، م . س ، ص 24 ، 25 .